في زمن تتسارع فيه وتيرة الاستهلاك وتزداد فيه المنافسة بين العلامات التجارية، برزت الحاجة لفهم أعمق لسلوك المتسوّقين داخل المتاجر. لم يعد النجاح في البيع يعتمد فقط على جودة المنتج أو قوة الإعلان، بل أصبح يرتبط بشكل مباشر بكيفية تقديم المنتج، تنظيم المتجر، وتصميم تجربة الشراء بذكاء.
في هذا السياق، ظهر اسم باكو أندرهيل – عالم السلوك ومؤلف الكتاب الشهير Why We Buy – بوصفه رائدًا في تحويل ملاحظات بسيطة إلى استراتيجيات تسويقية فعّالة. من خلال أبحاثه الميدانية الدقيقة وتحليله لحركة المتسوقين داخل المتاجر، أحدث أندرهيل تحوّلًا جذريًا في علم التسوق والتجزئة. فكيف غيّر باكو أندرهيل عالم التسوق؟ وما هي مفاهيمه الأساسية التي لا تزال تُدرّس وتُطبّق إلى اليوم؟
أولًا: من هو باكو أندرهيل؟
باكو أندرهيل هو باحث أمريكي في سلوك المستهلك، ومستشار تسويقي شهير، ومؤسس شركة Envirosell المتخصصة في أبحاث تجربة التسوق داخل المتاجر. بدأ أندرهيل مسيرته المهنية في سبعينيات القرن الماضي، حيث عمل على مشاريع تحليل بيئة البيع بالتجزئة لمجموعة من الشركات الكبرى، قبل أن يؤسس طريقته الخاصة في “مراقبة المتسوق”.
اعتمد أندرهيل على منهجية غير تقليدية آنذاك: مراقبة فعلية للمتسوقين عبر الكاميرات والدراسات الميدانية وتحليل حركتهم في المتجر، من لحظة الدخول حتى الخروج. لم يكن يكتفي بالاستبيانات أو التوقعات، بل اعتمد على بيانات فعلية توضح كيف يتحرّك المستهلك داخل المتجر، وماذا يلاحظ أولًا، وأين يقف، ومتى يغادر دون شراء.
أسّس بذلك علمًا جديدًا يمكن تسميته ﺑـ “علم التسوق” القائم على السلوك، وأصبح مرجعًا موثوقًا لدى كبرى شركات البيع بالتجزئة مثل GAP، McDonald’s، وMicrosoft، ممن استعانوا بخبراته لتصميم متاجرهم وتحسين تجربة عملائهم.
ثانيًا: علم التسوق حسب باكو أندرهيل
يمكن وصف علم التسوق لدى باكو أندرهيل بأنه مزيج فريد من السلوك الإنساني، والتصميم المكاني، والتحليل التجاري. وقد أطلق عليه البعض “علم النفس التطبيقي للبيع بالتجزئة”، لأنه يتناول بدقة سلوك الزبائن داخل المتجر، ويحوّله إلى بيانات قابلة للتطبيق من قبل المسوّقين ومديري الفروع.
أحد المفاهيم الأساسية التي طرحها أندرهيل هو أن المتسوقين لا يتصرفون بعشوائية، بل يتأثرون بمحيطهم، وتفاصيل المتجر الدقيقة لها أثر كبير على قرارات الشراء. من هنا، بدأ بتحليل كل زاوية في المتجر، من توزيع الأرفف إلى شكل الممرات، ومن حجم عربة التسوق إلى سرعة الحركة داخل الفرع.
إليك بعض المفاهيم الرئيسية في علم التسوق باكو أندرهيل:
-
“المنطقة العمياء” (Decompression Zone): هي المساحة القريبة من مدخل المتجر، والتي غالبًا ما يتجاهلها الزبون عند دخوله. لذلك ينصح أندرهيل بعدم وضع عروض مهمة فيها.
-
“وقت البقاء = قيمة الإنفاق”: كلما قضى المتسوق وقتًا أطول داخل المتجر، زادت احتمالية شرائه.
-
“التوقف البصري” (Visual Interruption): يجب أن يحتوي المسار داخل المتجر على نقاط جذب تُبطئ حركة المتسوق وتدفعه إلى الاكتشاف.
من خلال هذه المفاهيم، رسّخ أندرهيل فكرة أن البيع يبدأ من التخطيط الدقيق لتجربة التواجد داخل المتجر، وليس فقط من المنتج المعروض.
ثالثًا: نظرة في كتاب Why We Buy
يُعتبر كتاب Why We Buy: The Science of Shopping من أكثر الكتب تأثيرًا في مجال التسويق وسلوك المستهلك. نُشر لأول مرة عام 1999 وحقق شهرة عالمية، حيث قدّم فيه باكو أندرهيل نتائج سنوات من المراقبة الميدانية داخل المتاجر، بأسلوب مبسط، تحليلي، وقائم على حقائق فعلية.
يركز الكتاب على الإجابة عن سؤال محوري: لماذا يتخذ المتسوق قرار الشراء؟ ويشرح بالتفصيل كيف تؤثر عناصر التصميم المكاني، والإضاءة، وحركة المرور داخل المتجر، وحتى تصميم عربات التسوق، على سلوك العميل وإنفاقه.
من أبرز الأفكار التي يناقشها الكتاب:
-
المتاجر المصممة بناءً على التوقعات لا على المراقبة الحقيقية غالبًا ما تفشل.
-
لا يقرأ الزبائن اللافتات الصغيرة، بل يتأثرون بالعوامل البصرية والمحيط الحسي.
-
النساء يتوقفن أكثر أمام المنتجات التي يمكن لمسها أو تجربتها، بينما الرجال غالبًا ما يشترون بشكل مباشر.
-
كبار السن يفضلون الممرات الواسعة والإضاءة المريحة، وهذا يجب أن يُؤخذ في الاعتبار عند تصميم المتاجر.
يُعد هذا الكتاب مصدرًا أساسيًا لفهم المبادئ التي بُني عليها علم التسوق الحديث، ولا يزال حتى اليوم يُدرّس في كليات التسويق والتصميم التجاري، ويُستخدم كمرجع من قبل العلامات التجارية العالمية.
📈 رابعًا: استراتيجيات باكو أندرهيل لزيادة المبيعات
تميّز باكو أندرهيل بقدرته على تحويل الملاحظات السلوكية إلى استراتيجيات عملية تساعد المتاجر على تحسين أدائها وزيادة مبيعاتها. لم تكن توصياته مجرد نظريات، بل كانت ناتجة عن آلاف الساعات من التصوير والمراقبة المباشرة للزبائن داخل بيئات الشراء الحقيقية.
فيما يلي أبرز استراتيجيات باكو أندرهيل لزيادة المبيعات:
-
ترتيب المنتجات حسب السلوك، لا حسب الفئة: اقترح أندرهيل وضع المنتجات الأكثر جذبًا في “مسارات الحركة الطبيعية” للمتسوق، بدلًا من الاعتماد على التقسيم التقليدي حسب نوع المنتج فقط. هذا التغيير يمكن أن يدفع الزبائن لاكتشاف منتجات لم يخططوا لشرائها.
-
“زمن التوقف” عامل أساسي: أثبتت دراساته أن كلما زاد وقت بقاء العميل داخل المتجر، زادت احتمالية شرائه. لذلك، شجّع على توفير نقاط جذب بصرية، أو مناطق استراحة ذكية تشجّع الزبائن على البقاء لوقت أطول.
-
تجنّب الممرات الضيقة: أوضح أندرهيل أن المتسوقين يتفادون المسارات الضيّقة أو التي يشعرون فيها بانعدام الخصوصية، مما يقلّل من فرص تفاعلهم مع المنتجات المعروضة.
-
مراعاة الفروقات بين شرائح المتسوقين: فمثلاً، عند التسوق مع أطفال، يكون الوالد أكثر تشتتًا، ولذلك يجب وضع المنتجات الهامة في مناطق واضحة وسهلة الوصول.
-
استغلال ما يسمّى “لحظة القرار”: وهي النقطة التي يتوقف فيها الزبون أمام منتج ما، ويبدأ بتحليله أو مقارنته. نصح أندرهيل بتوفير معلومات واضحة وبصرية في تلك اللحظة لدعم قرار الشراء.
تُظهر هذه الاستراتيجيات كيف استطاع أندرهيل، عبر ملاحظات دقيقة، أن يؤسس قواعد جديدة في عالم البيع بالتجزئة، تُركّز على البيئة، والحركة، والتجربة الحسية للمتسوق، بدلاً من مجرد العروض والأسعار.
خامسًا: كيف تغيّر ترتيب وتصميم المتاجر بفضل أندرهيل؟
أحد أهم إنجازات باكو أندرهيل يتمثل في كشف العلاقة الوثيقة بين تصميم المتجر وسلوك الشراء. فقد بيّن من خلال أبحاثه أن مجرد تغيير طريقة ترتيب المنتجات أو تصميم الممرات يمكن أن يؤدي إلى زيادة ملحوظة في المبيعات، حتى دون تعديل في الأسعار أو العروض.
فيما يلي أبرز التغييرات التي ألهم بها أندرهيل تصميم المتاجر الحديثة:
-
إعادة ترتيب الممرات: اقترح أندرهيل تصميم الممرات بطريقة تتيح للمتسوق التنقل بانسيابية دون الشعور بالازدحام. كما أوصى بجعل حركة المرور داخل المتجر تشبه “الدورة الدموية” التي تضمن مرور الزبون بجميع الأقسام المهمة قبل الوصول إلى الخروج.
-
تنظيم واجهات العرض بحسب مستوى النظر: من المبادئ التي رسّخها أندرهيل أن المنتجات التي توضع على مستوى العين تُباع أكثر من غيرها، ولذلك فإن ترتيب المنتجات يجب ألا يكون عشوائيًا، بل استراتيجيًا.
-
الاستفادة من “نقاط التوقف”: نصح بتوفير “مناطق جذب” داخل المتجر، مثل أكشاك تذوّق، أو عروض مرئية متحرّكة، أو حتى مناطق ترفيهية للأطفال، لأنها تدفع المتسوق للتوقف، وبالتالي تزيد من احتمالات الشراء التلقائي.
-
تقليل “المناطق الميتة”: وهي الزوايا أو المساحات التي يتجنّبها المتسوقون، كالمداخل الضيقة أو الزوايا الخلفية. دعا أندرهيل إلى تعديل تصميم هذه المساحات وتحويلها إلى نقاط فعّالة للتفاعل أو العرض.
-
تجربة العربات والسلال: حتى حجم العربة أو مكان وضع السلال الصغيرة يمكن أن يؤثر على قرار الشراء. اقترح أندرهيل تحسين تجربة حمل المشتريات لتشجيع التسوّق غير المخطط له.
لقد ساهمت هذه الأفكار في إعادة تشكيل تصميم المتاجر الكبرى، من السوبرماركت إلى محلات الأزياء، وأثّرت أيضًا في التصميم الرقمي لتجارب التسوق الإلكتروني التي بدأت تعتمد على المبادئ ذاتها: الوضوح، الانسيابية، ومراعاة سلوك المستخدم.
سادسًا: كيف نستفيد من مفاهيم أندرهيل في التسويق الحديث؟
رغم أن أبحاث باكو أندرهيل ركّزت في الأساس على المتاجر الفعلية (التجزئة المادية)، إلا أن مبادئه امتدت لتلهم قطاعات أوسع، خاصة في مجالات التسويق الرقمي، تصميم واجهات المستخدم (UX)، وتجربة العملاء (CX). لقد تحوّلت مفاهيمه من أدوات لتحسين المبيعات في المتجر إلى ركائز تُستخدم اليوم في تصميم أي تجربة شراء، سواء كانت حضورية أو إلكترونية.
فيما يلي طرق عملية للاستفادة من مفاهيم باكو أندرهيل في السياق الحديث:
-
التسويق الرقمي وتجربة المستخدم: يمكن تطبيق مبدأ “زمن التوقف” على المواقع الإلكترونية، حيث يُستخدم تحليل الخرائط الحرارية (Heatmaps) لتحديد الأماكن التي يتفاعل معها الزائر أكثر. كلما طالت مدة البقاء في الصفحة، زادت فرص التحويل، تمامًا كما في المتجر الواقعي.
-
المتاجر الإلكترونية (E-commerce): ساهمت أفكار أندرهيل في تحسين عرض المنتجات عبر الإنترنت، بحيث يتم التركيز على الصورة الأولى، تسلسل المعلومات، واستخدام توصيات مخصصة – وهي نسخة رقمية من “المنتجات في متناول العين”.
-
تصميم تطبيقات التسوّق: تستفيد التطبيقات من مفهوم “نقطة القرار”، عبر تقديم عروض أو تقييمات العملاء في اللحظة التي يُتوقع أن يتردد فيها المستخدم قبل الشراء.
-
التسويق في الأسواق العربية: يمكن تكييف أفكار أندرهيل لتناسب البيئة الثقافية وأساليب التسوّق المحلية، من خلال دراسات سلوكية فعلية، مع مراعاة اختلاف أنماط الحركة، حجم الأسرة، والتفضيلات الاجتماعية في مراكز التسوق أو الأسواق الشعبية.
-
البيانات السلوكية كأداة تسويقية: يُعد الاعتماد على الملاحظة والتحليل السلوكي أسلوبًا أكثر واقعية من مجرّد الاستطلاعات أو التوقعات. لذا أصبح تسويق اليوم يقوم على البيانات (Data-driven Marketing)، وهو ما تنبأ به أندرهيل منذ عقود.
من الواضح أن إرث أندرهيل لم يقتصر على المتاجر، بل أصبح إطارًا نظريًا وميدانيًا لفهم المستهلك في أي بيئة شرائية.
❓ الأسئلة الشائعة (FAQ)
فيما يلي مجموعة من الأسئلة الشائعة التي تدور حول تأثير باكو أندرهيل ومفاهيمه في التسويق:
🔹 ما الذي يجعل باكو أندرهيل مختلفًا عن باحثي التسويق التقليديين؟
أندرهيل اعتمد على الملاحظة الميدانية المباشرة بدلًا من الاعتماد الحصري على الاستبيانات أو النماذج النظرية. لقد قام بتوثيق السلوك الفعلي للمستهلك داخل المتجر، ثم ترجم ذلك إلى استراتيجيات عملية قابلة للتطبيق.
🔹 هل ما زالت مفاهيم كتاب Why We Buy صالحة اليوم؟
نعم، لا تزال مفاهيم الكتاب قابلة للتطبيق بشكل واسع. بل تطورت لتدخل في تصميم المتاجر الرقمية والتطبيقات، مع الحفاظ على جوهرها: فهم سلوك المستهلك الحقيقي وتحسين البيئة المحيطة به.
🔹 كيف تساعد استراتيجيات أندرهيل في زيادة مبيعات المتاجر الإلكترونية؟
من خلال التركيز على عوامل مثل وضوح المعلومات، تصميم صفحات المنتج، استخدام الصور الجذابة، وخلق تجربة مستخدم مريحة، تُطبَّق أفكاره في التصميم الرقمي بنفس فعالية تطبيقها في المتاجر الفعلية.
🔹 ما علاقة ترتيب المنتجات داخل المتجر بقرارات الشراء العاطفية؟
ترتيب المنتجات يؤثر على “الرحلة الذهنية” للمتسوق. المنتجات التي توضع في نقاط التوقف أو على مستوى النظر تثير الاهتمام أولًا، ما يجعل اتخاذ القرار الشرائي أكثر عاطفية وأقل عقلانية في كثير من الحالات.
خاتمة
لقد أحدث باكو أندرهيل تحولًا جذريًا في فهمنا لتجربة التسوق، ليس من خلال ابتكار أدوات تقنية معقدة، بل عبر العودة إلى الأساس: مراقبة الإنسان وسلوكه داخل بيئة الشراء. استطاع أن يُعيد تعريف العلاقة بين المستهلك والمتجر، وأن يحوّل التجربة التسويقية من مجرد عرض منتجات إلى تفاعل حسي وسلوكي مدروس.
سواء كنت مدير متجر، مسوّقًا رقميًا، أو رائد أعمال يسعى لفهم سلوك عملائه بشكل أعمق، فإن مفاهيم أندرهيل توفّر لك إطارًا علميًا وعمليًا في آنٍ واحد. وهي دعوة لإعادة التفكير في بيئة الشراء التي تقدّمها، سواء كانت فعلية أو رقمية، لأن التفاصيل التي قد تبدو بسيطة — مثل موقع منتج أو شكل ممر — قد تكون هي الفرق بين زائر عابر وعميل دائم.
ابدأ بمراقبة تجربة عملائك عن كثب، كما فعل أندرهيل، وستفاجَأ بكمّ الفرص الخفية التي يمكنك الاستفادة منها.